ابن قيم الجوزية

182

البدائع في علوم القرآن

أحدهما : ردها بالمتشابه من القرآن أو من السنن . الثاني : جعلهم المحكم متشابها ، ليعطلوا دلالته . وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ، كالشافعي ، والإمام أحمد ، ومالك ، وأبي حنيفة ، وأبي يوسف ، والبخاري ، وإسحاق ، فعكس هذه الطريقة ، وهي أنهم يردون المتشابه إلى المحكم ، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ، ويبينه لهم . فتتفق دلالته مع دلالة المحكم ، وتوافق النصوص بعضها بعضا ، ويصدق بعضها بعضا ، فإنها كلها من عند اللّه ، وما كان من عند اللّه . فلا اختلاف فيه ، ولا تناقض . وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره ، ولنذكر لهذا الأصل أمثلة لشدة حاجة كل مسلم إليه أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب . المثال الأول : رد الجهمية النصوص المحكمة غاية الإحكام ، المبينة بأقصى غاية البيان : أن اللّه موصوف بصفات الكمال ، من العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر والوجه واليدين والغضب والرضا والفرح والضحك والرحمة والحكمة ، وبالأفعال كالمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا ، ونحو ذلك . والعلم بمجيء الرسول بذلك ، وإخباره به عن ربه إن لم يكن فوق العلم بوجوب الصلاة والصيام والحج والزكاة وتحريم الظلم والفواحش والكذب ، فليس يقصر عنه ، فالعلم الضروري حاصل بأن الرسول أخبر عن اللّه بذلك ، وفرض على الأمة تصديقة فيه فرضا لا يتم أصل الإيمان إلا به . فرد الجهمية ذلك بالمتشابه من قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، ومن قوله : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [ مريم : 65 ] ، ومن قوله : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) [ الإخلاص : 1 ] . ثم استخرجوا من هذه النصوص المحكمة المبينة احتمالات وتحريفات جعلوها به من قسم المتشابه « 1 » .

--> ( 1 ) في معنى المحكم والمتشابه أكثر من عشرة أقوال ذكرها السيوطي في الإتقان في الباب الثالث والأربعين ، ثم ذكر الاختلاف في معرفة المتشابه هل مما يمكن الاطلاع عليه أم لا ! ! ومدار الخلاف على فهم قوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وهل قوله تعالى وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ معطوفا ، ويقولون « حال أو مبتدأ خبره يقولون والواو للاستئناف . إلخ . . . ثم بين اختيار الجمهرة من العلماء إلى أن أولى العلم مما يعلم تأويله ، وذهب إلى ذلك النووي في شرحه على مسلم وقال ابن الحاجب : وهو الأظهر . وفي المسألة تفصيل انظرها في موضعه ، الإتقان ( 2 / 2 ) .